عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة 48
خريدة القصر وجريدة العصر
ما تطمع فيه كل نفس شريرة من الاستبداد ، ففارقوه إلى أخويه : الملك العزيز بمصر « 1 » ، والملك الظاهر بحلب « 2 » . وأراد العماد الرحلة إلى مصر ، فتلطف الأفضل وأصحبه رسالة إلى أخيه العزيز ، فمضى العماد اليه ، إذ كان العزيز على خلاف سياسة أخيه ، كان يجتذب أصحاب أبيه اليه ويكرمهم ، فاجتمعوا حوله ، وحسّنوا له الانفراد بالسلطنة إلى أن وقعت الوحشة بين الأخوين ، واستحكم الفتور في سنة 590 ه بينهما فكانت حروب ووقائع تعرضت فيها دمشق للحصار الطويل . ولم يستطع العماد الرجوع إليها إلا مع العزيز وعمه العادل « 3 » لما خرجا بالجيش المصري لانتزاعها من الأفضل في شهر رجب سنة 592 ه ، فحاصراها ، ثم دخلاها قبرا ودخلها معهما العماد ، وأخرجا منها الأفضل ووزيره ابن الأثير الجزري الذي أساء تدبيره وجرّ هذه الكارثة عليه وعلى نفسه . وأقام العماد بدمشق ، مع الملك العادل الذي استنابه العزيز عليها ثم مع ابنه المعظم عيسى « 4 » وقد أنابه على دمشق وسار إلى ملكه بالجزيرة ، أربع سنين لا أعلم أنه شارك في أثنائها في أعمال الدولة ، ولكن من المؤكد عندي أنه انصرف فيها إلى التصنيف والتدريس والإفادة انصرافا تاما ، وآية ذلك كتاب من القاضي الفاضل كتبه اليه من مصر ذكر فيه ذلك . كله واعتدّه نعمة يتعين شكرها على أمثاله من العلماء حين يبتلون بأزمنة الفساد ، فيه : « وأنا على ما يعلمه المولى من العزلة إلّا أنّها بلا سكون ، وفي الزاوية المسنونة لأهل العافية إلّا أنّي على مثل حدّ المنون ، وكيف يعيش العاقل في الزمان المجنون ؟ ونحن على
--> ( 1 ) ترجمته في وفيات الأعيان ( 1 / 314 ) ، ومرآة الزمان ( 8 / 354 وما بعدها ) ، والبداية والنهاية ( 13 / 18 ) ، وشذرات الذهب ( 4 / 318 ) ، والكامل ( 12 / 58 ) . ( 2 ) ترجمته في وفيات الأعيان ( 1 / 402 ) ، ومرآة الزمان ( 8 / 92 وما بعدها ) ، والبداية والنهاية ( 13 / 71 ) ، وشذرات الذهب ( 5 / 55 ) ، والكامل ( 12 / 129 ) . ( 3 ) ترجمته في وفيات الأعيان ( 2 / 48 ) ، ومرآة الزمان ( 8 / 294 وما بعدها ) ، والبداية والنهاية ( 13 / 97 ) ، وشذرات الذهب ( 5 / 65 ) ، والكامل ( 12 / 145 ) . ( 4 ) ترجمته في وفيات الأعيان ( 1 / 396 ) ، والبداية والنهاية ( 13 / 121 ) ، ومرآة الزمان ( 8 / 442 وما بعدها ) ، وشذرات الذهب ( 5 / 115 ) ، والكامل ( 12 / 195 ) .